اسماعيل بن محمد القونوي

492

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

جعل المصنف قراءة صدق من الثلاثي أصلا فيكون إبليس فاعله ونصب ظنه بنزع الخافض أي أصاب إبليس في ظنه فصدق بمعنى أصاب مجازا لأن الصدق يستلزم الإصابة وعليهم متعلق بظنه قوله أو صدق يظن ظنه فيكون الظن مفعولا مطلقا لفعل مقدر فصدق أيضا بمعنى أصاب وجملة يظن ظنه حال مثل فعلته بالخطاب جهدك أي تجهد جهدك . قوله : ( ويجوز أن يعدى الفعل إليه بنفسه كما في صدق وعده لأنه نوع من القول ) ويجوز أن يعدى الخ فيكون ظنه مفعولا به لصدق لأنه أي الصدق نوع من القول فإنه عبارة عن مطابقة نسبة الكلام للواقع والقول يتعدى بنفسه وفيه تنبيه على أن تعديته بنفسه بمعنى غير المعنى الذي لا يكون متعديا بنفسه فإن أريد به القول يكون متعديا بنفسه لكن بمعنى حقق إذ لا معنى لقول الظن والمعنى ولقد صدق أي حقق إبليس خلته فيتحد القراءتان ولما كان كون صدق متعديا بنفسه مستلزما للتكلف المذكور أخره وإن أريد به مطابقة الحكم للواقع يكون لازما ما ورد في الحديث من قوله : « صدق وعده ونصر عبده » متعد بنفسه أي حقق وعده كقوله تعالى : رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ الأحزاب : 23 ] الآية وقيل ضمير لأنه للظن فإنه من القول مجازا لشدة الاتصال بينهما ولا يخفى أنه لا يناسب المقام إذ الكلام في تعدية الصدق بنفسه . قوله : ( وشدده الكوفيون بمعنى حقق ظنه ) أي وقرأ الكوفيون صدق بالتشديد من التفعيل بمعنى حقق ظنه مجازا لأن تصديق الظن غير متصور على الحقيقة فيراد لازمه وهو التحقيق كما في قراءة التخفيف إن عدي بنفسه كما مر . قوله : ( أو وجده صادقا وقرىء بنصب إبليس ورفع الظن مع التشديد ) أو وجده صادقا أي بناء فعل للوجدان مثل أفعل لكنه ليس بمتعارف في التفعيل ولذا اخره وأيضا لا معنى لوجدان الظن صادقا فإن الظن لا يوصف بالصدق حقيقة قيل أو حقيقة على أن المراد من الظن ما هو لفظي فإذا كان الظن قولا حقيقة يكون صادقا حقيقة فيكون قوله أو وجده صادقا على ظاهره ولا يخفى أنه تكلف يجب صون النظم الجليل عنه فالاحتمال الأول في القراءتين مما يجب الاكتفاء به فما الداعي إلى هذا التعسف مع ظهور الوجه الخالي عنه . قوله : مثل فعلته جهدك فعلته على لفظ الخطاب أي فعلته تجهد جهدك قال الزجاج صدقه في ظنه أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك فمن شدد نصب الظن لأنه مفعول ومن خفف نصبه على معنى صدق عليهم في ظنه روى محيي السنة عن ابن قتيبة أن إبليس لما سأل النظرة فأنظره اللّه تعالى قال : لَأُغْوِيَنَّهُمْ [ ص : 82 ] وَلَأُضِلَّنَّهُمْ [ سبأ : 119 ] ولم يكن مستيقنا وقت هذه المقالة إنما قاله ظنا فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم قال ابن جني على متعلقة بصدق كقولك صدقت عليك فيما ظننته بك ولا يتعلق بالظن . قوله : لأنه نوع من القول أي يجوز أن يكون نصب ظنه على أنه مفعول به لصدق لكونه نوعا من القول والقول يتعدى بنفسه قوله حين خيله إغواءهم أي حين خيل ظنه أي أوقع ظنه في خياله إغواءهم .